تشكيل الحكومة بين صلاحيات رئيس الوزراء وتخوّفات الأحزاب
يُعدّ تشكيل الحكومة من أخطر وأهم الملفات في هذه المرحلة المفصلية التي تمر بها الدولة اليمنية، لما له من أثر مباشر على استقرار الأداء التنفيذي، ومستوى ثقة الشارع، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها السياسية والاقتصادية والخدمية. ومن هذا المنطلق، فإن التريّث وعدم الاستعجال في إعلان الحكومة لا يُعدّ تراجعًا في القرار أو ضعفًا في الحسم، بل هو خيار وطني مسؤول يهدف إلى اختيار الأفضل والأقدر على الإنجاز.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن إشراك وزراء يفتقرون إلى الكفاءة أو الجاهزية العملية يقود إلى إضعاف أداء الحكومة، وتعطيل مسارات التنفيذ، والدخول في دوامة تعديلات وزارية متكررة تستنزف الوقت والجهد، وتؤخر الاستحقاقات الوطنية. إن حكومة متماسكة منذ لحظة تشكيلها، وإن تأخر إعلانها قليلًا، تبقى أنفع وأجدى من حكومة سريعة التشكيل تعاني خللًا بنيويًا منذ يومها الأول.
المشهد العام: بين الطموح الشعبي وتعقيدات الواقع
تمر الدولة اليمنية اليوم بمرحلة استثنائية تتطلب صياغة عقد تنفيذي جديد يوازن بين طموحات الشارع في حكومة إنجاز حقيقية، وبين واقع التوازنات السياسية المعقدة. وفي واجهة هذا المشهد يبرز حراك رئيس الوزراء المكلف، الدكتور شايع الزنداني، الهادف إلى تشكيل حكومة كفاءات غير حزبية، وهو توجه أثار جدلًا واسعًا بين من يراه مخرجًا ضروريًا من نفق الفشل الإداري، ومن يخشى أن يتحول إلى بوابة إقصاء سياسي مغلّف بشعار الكفاءة.
تشريح الموقف الراهن: تصادم الرؤى
أولًا، رؤية رئيس الوزراء. يقف رئيس الوزراء اليوم على أرضية صلبة من المشروعية الإدارية والتنفيذية، إذ يسعى إلى كسر حلقة المحاصصة التقليدية التي أثقلت كاهل الحكومات السابقة، وحوّلت الوزارات إلى ساحات ترضيات سياسية على حساب الأداء والنتائج. وترتكز رؤيته على اعتماد معايير الكفاءة والخبرة أساسًا للاختيار، والالتزام الصارم بالتمثيل الجغرافي بين الشمال والجنوب، وتعزيز التمثيل النوعي للمرأة، مع حصر دور الأحزاب في الترشيح لا في الفرض.
ثانيًا، هواجس الأحزاب السياسية. في المقابل، تقف القوى السياسية بوجسٍ مشروع، إذ ترى في شعار الكفاءة احتمالًا لاستخدامه كأداة لتهميش دورها الشرعي في الحكم. وتخشى الأحزاب من فقدان الغطاء السياسي الذي توفّره للحكومة، ومن إضعاف مبدأ الشراكة الوطنية، وتعريض العملية الديمقراطية إلى تآكل تدريجي. ومن منظورها، تظل المشاركة السياسية الضامن الأساسي للاستقرار، وأي تجاوز لها قد يُنتج حكومة قوية إداريًا لكنها هشّة سياسيًا.
خارطة طريق مقترحة: نموذج المشاركة التنافسية
للخروج من هذا المأزق، يصبح من الضروري الانتقال من عقلية المغالبة السياسية إلى منطق المفاضلة المعيارية. ويُقترح هنا نموذج عملي يقوم على ثلاث مراحل مترابطة.
المرحلة الأولى هي مرحلة الترشيح المتعدد، حيث تقوم الكتل البرلمانية ذات الثقل، التي تمتلك أكثر من عشرين مقعدًا، بترشيح ثلاثة أسماء لكل حقيبة وزارية، مع منح المكونات الأصغر حق ترشيح قوائم لعدد محدد من الوزارات. وفي الوقت ذاته، يُفتح باب الترشح عبر منصة وطنية إلكترونية للكفاءات المستقلة داخل اليمن وخارجه.
أما المرحلة الثانية فهي مرحلة التقييم الفني، إذ تُحال السير الذاتية إلى فريق فني متخصص يعمل وفق معايير موضوعية معلنة تشمل المؤهل العلمي، وعدد سنوات الخبرة، والكفاءة القيادية والإدارية. ويُمنح مرشحو الأحزاب ذات التمثيل الشعبي وزنًا إضافيًا في التقييم، بما يحقق الدمج بين الكفاءة والشرعية السياسية.
وتتمثل المرحلة الثالثة في المراجعة والمصادقة، حيث تُرفع القائمة النهائية إلى مجلس القيادة الرئاسي، مع إطلاع الأحزاب، وبالذات الرئيسية ذات الثقل الشعبي والبرلماني، على نتائج الاختيار لضمان عدم إقصائها. وبعد ذلك يصادق مجلس القيادة على التشكيلة، ويصدر رئيس مجلس القيادة قرار تشكيل الحكومة، على أن تتقدم الحكومة ببرنامجها إلى البرلمان لنيل الثقة، مرفقًا بملف تعريفي مختصر لكل وزير يوضح أسباب اختياره.
الضمانات والشفافية: جسر بناء الثقة
لا يمكن لهذا النموذج أن ينجح دون إعلان مصفوفة معايير واضحة مسبقًا، ومنح الأحزاب حق الإشراف والاطلاع على مراحل الاختيار. فهذه الضمانات كفيلة بتبديد المخاوف من الإقصاء، وترسيخ الثقة بين الحكومة والقوى السياسية، وتحويل مسار التشكيل من ساحة صراع إلى مساحة شراكة مسؤولة.
كلمة ختامية
إن الموازنة بين صلاحيات رئيس الوزراء في اختيار فريقه، وحق الأحزاب في المشاركة السياسية، ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية في هذه المرحلة الحساسة. فاليمن لا يحتاج إلى وزراء تكنوقراط معزولين عن الواقع السياسي، ولا إلى سياسيين يفتقرون إلى الأدوات الإدارية، بل يحتاج إلى كفاءات مُسيّسة بوعي، تعمل ضمن إطار توافق وطني جامع.
إن الحكمة السياسية، والمرونة المتبادلة، والاحتكام إلى المعايير، هي الضامن الحقيقي لتحويل الحكومة القادمة من مشكلة محاصصة إلى حل إداري، وصولًا إلى الاستقرار المنشود الذي ينتظره الشعب اليمني الصابر.