حكومة د. الزنداني: خارطة طريق لإنقاذ وطني شامل
في منعطف تاريخي دقيق ومفصلي، ومع تسارع المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة، يأتي تكليف الدكتور شائع محسن الزنداني بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة كبارقة أمل وفرصة حقيقية لإنقاذ الدولة اليمنية وتوحيد الصفوف. تقف أمام تركة ثقيلة من التحديات، ولكنها في الوقت ذاته تمتلك أدوات ومقومات للنجاح إذا ما أحسنت استغلالها ضمن رؤية وطنية جامعة.
يأتي هذا التكليف في ظل دعم متجدد وقوي من الأشقاء في المملكة العربية السعودية، والذي لم يعد يقتصر على الدعم العسكري والسياسي، بل امتد ليشمل استراتيجية شاملة لدعم الاقتصاد وتحسين حياة المواطن اليمني بشكل مباشر. هذا الدعم السخي يمثل شريان حياة للحكومة الجديدة، ويوفر لها أساساً صلباً للانطلاق نحو تنفيذ برنامجها الوطني معتمدة على مواردها المالية المتنوعة.
إن نجاح حكومة الدكتور الزنداني، الدبلوماسي المخضرم، مرهون بقدرتها على تبني خارطة طريق للإنقاذ الوطني، تتجاوز مجرد إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل. ويجب أن ترتكز هذه الخارطة على محاور متكاملة وعاجلة:
أولاً: حكومة الكفاءة وخطة الإنقاذ الوطني: الشرط المسبق للنجاح هو تشكيل حكومة كفاءات وطنية، لا يهم مصدر تشكيلها سواء جاءت من الأحزاب والمكونات السياسية أو من خارجها، طالما أن المعيار الأوحد هو الولاء للوطن والقدرة على تنفيذ خطة إنقاذ وطنية متفق عليها. يجب أن يكون هذا الفريق الحكومي قادراً على العمل كخلية أزمة، بعقلية الدولة لا بعقلية الفصائل، لاستعادة ثقة المواطن بمؤسساته.
ثانياً: خطة المعالجة الاقتصادية والإنسانية: يجب أن تكون الأولوية القصوى للحكومة هي معالجة الانهيار الاقتصادي بالتوازي مع الملف الإنساني والقانوني. ويتطلب ذلك إجراءات عملية ومدروسة: ١. *الاستقرار الاقتصادي: عبر تمكين البنك المركزي في عدن من أدوات السياسة النقدية، وتفعيل الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة لمكافحة الفساد، وتحصيل كافة إيرادات الدولة السيادية (نفط، غاز، ضرائب، جمارك) وتوريدها لحساب واحد، وترشيد الإنفاق. ٢. *العدالة وحقوق الإنسان: يجب على الحكومة تشكيل *لجنة وطنية عليا* بشكل فوري، تتمتع بالصلاحيات الكاملة، للنظر في قضايا المخفيين قسراً والمعتقلين تعسفاً في كافة السجون، والعمل على إطلاق سراحهم. بالتوازي، يتم إنشاء *هيئة قضائية خاصة* لحصر الممتلكات المنهوبة والمصادرة من قبل ميليشيا الحوثي وغيرها، ووضع آلية قانونية واضحة لإعادتها لأصحابها وتعويض المتضررين، كخطوة لا غنى عنها لتحقيق العدالة الانتقالية وبناء الثقة المجتمعية.
٣. ثالثاً: معركة تحرير صنعاء كأولوية استراتيجية: لا استقرار أو تعافٍ دائم دون حسم المعركة ضد الانقلاب واستعادة العاصمة. يجب أن تضع الحكومة هذا الهدف على رأس أولوياتها عبر: ٤. *توحيد القيادة والسيطرة:* دمج كافة التشكيلات العسكرية والأمنية تحت قيادة وزارة الدفاع والداخلية، وإنهاء حالة الانقسام التي استنزفت الجبهات. ٥. *استراتيجية التحرير الشاملة: الانتقال من الدفاع إلى الهجوم المنسق على مختلف الجبهات، مع تفعيل دور القبائل ورجال الأعمال والمكونات المجتمعية في دعم معركة استعادة الدولة.
*رابعاً: استعادة الوعي الوطني عبر الإعلام والثقافة:* تواجه الحكومة تحدياً وجودياً في إعادة بناء الوعي الوطني. يجب وضع استراتيجية إعلامية وثقافية تهدف إلى: ١. إعلاء الخطاب الوطني:* التركيز على قيم الجمهورية، والمواطنة المتساوية، والتسامح، والأخوة، ونبذ خطابات الكراهية والطائفية والمناطقية بين أبناء الوطن الواحد. ٢. *مخاطبة الداخل المحتل: إطلاق منصات إعلامية موجهة للمواطنين في مناطق سيطرة الحوثي، تفضح جرائم الميليشيا وتؤكد على أن الدولة عائدة لخدمة جميع اليمنيين. ٣. *تفعيل دور المثقفين: إشراك المثقفين والفنانين والمبدعين في إنتاج محتوى ثقافي يعزز الهوية اليمنية الجامعة ويرسخ قيم السلام والاسلام والتعايش.
*خامساً: إعادة بناء المؤسسات الحكومية وتفعيل الخدمات الأساسية: إن استعادة ثقة المواطن تبدأ من شعوره بوجود الدولة في حياته اليومية. يجب على الحكومة العمل فوراً على: ١. *تفعيل الإدارة المحلية: منح المحافظين ومديري المديريات في المناطق المحررة الصلاحيات والميزانيات اللازمة لتقديم الخدمات الأساسية (صحة، تعليم، مياه، نظافة). ٢. *إصلاح قطاع القضاء: إعادة تفعيل المحاكم والنيابات في المناطق المحررة وضمان استقلاليتها، لتكون الملاذ الآمن للمواطن وصمام الأمان للمجتمع. ٣. *البدء بالتعافي المبكر:* الاستفادة من الدعم الأخوي السعودي والمنح الدولية لتنفيذ مشاريع خدمية عاجلة وملموسة يشعر بها المواطن مباشرة، مثل إعادة تأهيل محطات الكهرباء، ورصف الطرق، وترميم المدارس والمستشفيات.
وفي الأخير نقول.. إن حكومة الدكتور شائع الزنداني تقف أمام مسؤولية تاريخية. فإما أن تكون حكومة إنقاذ وطني تنجح في تحويل التحديات إلى فرص، وتستثمر الدعم الأخوي السخي، وتضع اليمن على أولى عتبات التعافي والبناء، وإما أن تضيع الفرصة الأخيرة في دوامة الخلافات. إن المرحلة لا تحتمل التردد، والشعب اليمني يتطلع إلى قيادة حازمة ورؤية واضحة تعيد له الأمل في مستقبل آمن ومستقر تحت راية الجمهورية اليمنية.