‏في رسالة إلى رئيس مجلس القيادة

سيف الحاضري

تحذير من تغييرٍ حكومي بلا معيار… حين يُساوى بين من واجه ومن خان .. 

في المنعطفات الكبرى، وفي لحظات التحوّل المصيرية التي تُشبه المعارك الفاصلة، لا يكون التعاطي مع الفاعلين فيها مسألة إجرائية أو بروتوكولية، بل اختبارًا أخلاقيًا وسياسيًا لمعنى الدولة ذاتها. فالتاريخ لا يُقاس بالقرارات وحدها، بل بالمعايير التي تُبنى عليها تلك القرارات.

إن من كانت لهم مواقف وطنية واضحة كوضوح الشمس، والذين وقفوا في الصف الأول لمواجهة الانقلاب، لا يجوز أن يُعامَلوا بالمنطق ذاته الذي يُعامَل به من تلوّنوا، أو تواطأوا، أو التزموا الرماد حين كان الوطن يحترق. فالتقدير هنا ليس مجاملة، بل رسالة تحفيز للأوفياء، ورسالة ردع لمن اختاروا المنطقة الرمادية ملاذًا للخيانة المؤجلة.

أنا أتحدث بوضوح عن وزراء في الحكومة، لم تكن مواقفهم ملتبسة، بل كانوا رأس الحربة في مواجهة الانقلاب، سياسيًا ومعنويًا، ودفعوا ثمن ذلك مواقف وتضحيات. هؤلاء لا يمكن، أخلاقيًا ولا وطنيًا، مساواتهم بمن كانوا شركاء في الانقلاب، أو من اتخذوا الحياد قناعًا للخذلان.

المعيار اليوم يجب أن يكون واحدًا لا يقبل التأويل: من كان مع الانقلاب، ومن كان في مواجهته. وأي حسابات أخرى خارج هذا الميزان ليست سوى إعادة تدوير للأزمة، وتأجيل لانفجارها القادم.

إن إقالة الحكومة بالكامل، وبغضّ النظر عن دوافعها، حملت في توقيتها ظلمًا واضحًا لبعض الوزراء الذين كانوا في صدارة المواجهة. فالعقوبة حين تفقد قدرتها على التمييز، تتحول من أداة إصلاح إلى فعل عبثي يُساوي بين الشجاعة والخيانة.

ومن غير المعقول، ولا المقبول، أن يُستضاف في الرياض وزراء انقلابيون، ونواب ووكلاء أعلنوا خيانتهم بالصوت والصورة، في الوقت الذي يُهمَّش فيه أصحاب المواقف الوطنية الثابتة، ويُتركون خارج المشهد وكأن الوفاء بات عبئًا سياسيًا.

هذا المشهد، إن تكرّر، لا يمكن تبريره بأي مسوّغ، لأنه ببساطة استدعاء مباشر لأخطاء الرؤساء السابقين، والسياسة التي لا تتعلّم من أخطائها محكوم عليها أن تعيد إنتاج الإحباط، مهما حسُنت نوايا قادتها.

وأنا أتابع المشهد اليوم، أرى من كانوا جزءًا أصيلًا في كل الخيانات والانقلابات منذ 2004، وحتى الانقلاب الأخير، يتحدثون بكل بجاحة عن “حقهم” في التمثيل، ويطالبون بإقصاء القوى الوطنية، أو من يمثلها، وكأن الذاكرة الوطنية قصيرة، أو كأن الخيانة وجهة نظر.

لا أعتقد أن رئيس مجلس القيادة، بعد كل هذه الحصافة، والمواقف الوطنية التي أثلجت صدور اليمنيين، يمكن أن يقع في خطأ كهذا، من شأنه أن يعيد المشهد إلى دائرة الإحباط من جديد.

نحن لا نطالب بالكمال، بل نطالب بعهد جديد: عهد لا مكان فيه للخونة، ولا للرماديين، ولا لمن يبدّلون مواقفهم حسب اتجاه الريح. عهد يُكافئ من وفوا بالعهود، وصدقوا المواثيق، وكانوا في الصف الأول حين كانت الكلفة عالية، والخيار واضحًا.

تلك هي خلاصة رسالتي إلى رئيس مجلس القيادة: الدكتور رشاد العليمي.