التحول السعودي ومعادلة الأمن الإقليمي
تحركات المملكة العربية السعودية لإنهاء المشاريع الانفصالية والمليشيات التفكيكية لم تعد خطوة ظرفية أو ردّة فعل مؤقتة، بل هي مسار استراتيجي طويل النفس، ينطلق من إدراك عميق بأن الفوضى التي ضُخّت في الإقليم خلال العقد الماضي لم تكن عشوائية، وإنما صُمّمت لإضعاف الدول الوطنية، وتمزيق الجغرافيا، وتحويل الموانئ والممرات البحرية إلى ساحات نفوذ لمليشيات وأجندات خارجية معادية.
ما يجري في اليمن ليس سوى حلقة في هذا المشهد الأوسع. فالسعودية اليوم تتحرك لإغلاق هذا الملف من جذوره، عبر إنهاء المشاريع الانفصالية، وتجفيف منابع المليشيات المسلحة، وإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها الشرعية، باعتبار ذلك المدخل الوحيد للاستقرار الحقيقي، لا الحلول الهشة ولا الترتيبات المؤقتة.
وهذا التوجه لن يتوقف عند اليمن. فدول البحر الأحمر وخليج عدن، وفي مقدمتها السودان والصومال، باتت ضمن دائرة الاهتمام السعودي، ليس من باب التمدد أو الوصاية، بل من منطلق المسؤولية الاستراتيجية تجاه أمن المنطقة واستقرارها، وحماية واحد من أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية وأمن الطاقة والملاحة الدولية.
السعودية تدرك أن ترك المليشيات والمشاريع التفكيكية دون ردع يعني فتح الباب أمام الفوضى العابرة للحدود، وتعريض الأمن القومي العربي والخليجي تحديداً للخطر، وإدامة النزاعات التي تستنزف الشعوب وتمنع أي أفق للتنمية.
لذلك، تتحرك الرياض اليوم بمنطق الدولة القائدة، لا بمنطق ردود الأفعال، وبسياسة تقوم على الحسم الاستراتيجي لا المجاملة السياسية.
هذا النهج يعكس عقلية الدول الكبرى ذات المشاريع التاريخية، التي لا تكتفي بإدارة الأزمات بل تعمل على تفكيك أسبابها، وتؤمن بأن الاستقرار ليس شعارًا دبلوماسيًا، بل نتيجة حتمية لفرض منطق الدولة وسيادة القانون، وإغلاق الطريق أمام السلاح المنفلت والولاءات الخارجية.
وفي قلب هذا التحول، تبرز رؤية السعودية 2030 التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ليس كمشروع اقتصادي فحسب، بل كإطار شامل لإعادة تعريف دور الدولة في الداخل والخارج. هذه الرؤية أحدثت تحوّلًا جذريًا في بنية الاقتصاد السعودي، وغيّرت صورة المملكة من دولة ريعية تقليدية إلى قوة تنموية صاعدة، وبيئة جاذبة للاستثمار العالمي، والسياحة، والتكنولوجيا، ورأس المال البشري.
ما حققته السعودية خلال سنوات قليلة جعل رؤية 2030 مصدر إلهام لدول المنطقة، ودليلًا عمليًا على أن الاستقرار السياسي، وفرض هيبة الدولة، شرط أساسي لأي نهضة حقيقية. فلا تنمية مع المليشيات، ولا ازدهار مع المشاريع الانفصالية، ولا استثمار مع الفوضى.
سياسيًا، بات واضحًا أن السعودية لم تعد مجرد لاعب إقليمي، بل أصبحت مركز ثقل وصاحبة قرار في معادلة الأمن الإقليمي، تقود مسارًا يعيد ترتيب المنطقة على أساس الدولة الوطنية، والتنمية، والمصالح المشتركة، لا على حسابات الفوضى والابتزاز والسلاح.
إن ما يجري اليوم ليس إعادة تموضع سعودي فحسب، بل بداية مرحلة جديدة في المنطقة، عنوانها: نهاية زمن المليشيات، وبداية زمن الدولة الوطنية والمشاريع الكبرى.