المجلس الذي أضر نفسه
لا يمكن القفز على حقيقة أن قطاعًا واسعًا من أبناء عدن لم يُفاجأ بما وصل إليه المجلس الانتقالي، بل رأى فيه نتيجة طبيعية لخطاب إقصائي وممارسات تمييزية أُديرت بعقلية استعلائية، وانتهت إلى انتهاك الإنسان، وتشويه القضية، والاستخفاف بتاريخ مدينة دفعت أثمانًا باهظة من أجل حريتها.
ومع ذلك، فإن النقد هنا ليس شماتة، ولا الفرح بما جرى موقفًا أخلاقيًا بحد ذاته، بل هو تعبير عن أسف عميق لمسار أُهدرت فيه فرصة تاريخية لتحويل القضية الجنوبية إلى مشروع جامع.
فمنذ التأسيس، جرى الزج بشباب متحمس في مواجهات عبثية مع مؤسسات المجتمع المدني والنقابات، عبر اقتحامات وشعارات تخوينية، وكأن تلك المؤسسات خصم سياسي أو عدو خارجي، لا جزء من ذاكرة النضال وبنية المجتمع.
حاول العقلاء فتح أبواب الحوار، وتنظيم الخلاف عبر أدوات ديمقراطية وانتخابية، لكن منطق الغلبة، والحماس غير المنضبط، والعقلية العسكرية، أطاحت بكل محاولة، وكسرت جسور الثقة، وشرخت العلاقة بين أجيال كان يفترض أن تتكامل لا أن تتصارع.
لقد اتضح مبكرًا أن هذا المسار لا يستهدف المختلفين سياسيًا فحسب، بل يضرب القيم الأخلاقية في الصميم، ويفكك النسيج الاجتماعي، ويستبدل الشراكة بالإقصاء، والانتماء بالخوف. ومع توالي اقتحام المؤسسات العمالية والإعلامية والنقابية والتعليمية، لم يعد الأمر تعبيرًا عن رأي أو هوية، بل فرضًا قسريًا لرمزية سياسية، غذّت الكراهية، وفتحت المجال أمام ممارسات لا تمت للقضية ولا للأخلاق بصلة.
فشل المجلس الانتقالي في أن يكون مظلة جامعة، لأنه اختزل القضية الجنوبية في دائرة ضيقة، وقسّم المجتمع مناطقيًا وعقائديًا، واحتكر الوطنية، ووزّع صكوك التخوين وفق مزاج لا يخدم إلا الانقسام. والأسوأ أن هذا النهج لم يحصّن القضية، بل حوّلها إلى عبء على أهلها قبل خصومها.
ومع ما أُثير من ملفات اغتيالات واعتقالات وانتهاكات وسجون سرية، وتراكم قضايا الفساد، والانقسامات الداخلية، وخروج قيادات مؤثرة، أصبح الرهان على الإصلاح الشكلي أو إعادة التدوير رهانًا خاسرًا، وأضحى الإصرار على الصيغة ذاتها إنكارًا للواقع لا تمسكًا بالمبدأ. ورغم كل ذلك، فإن الباب لا يجب أن يُغلق، ولا الجسور أن تُحرق. القضية الجنوبية أكبر من أي كيان، وأعمق من أي تجربة فاشلة.
واليوم، تبرز الحاجة الملحّة إلى حوار وطني جنوبي شجاع، لا يستثني أحدًا، ولا يبرر العنف، ولا يحتكر الحقيقة، حوار يؤسس لإطار سياسي ناضج، يستعيد البعد الأخلاقي والإنساني للقضية، ويعيد الاعتبار لقيم العدالة، والشراكة، واحترام الإنسان.
هذا هو الطريق الوحيد لإنقاذ القضية… لا بالضجيج، ولا بالقوة، بل بالعقل، والاعتراف بالأخطاء، وفتح صفحة جديدة على أسس صحيحة.