سؤال اليوم
هناك سؤال يدور في خاطري، عميق ومؤلم في آنٍ واحد، وهو يعكس وعياً بحجم المأزق أكثر مما يعكس حنيناً أو خصومة مع طرف بعينه.
هل سنكون أكثر رقياً لنحدث تغييراً وتحولاً يلبي تطلعات الناس؟
الجواب الصادق:
نعم، يمكن أن نكون أكثر رقياً… لكن هذا ليس تلقائياً، ولا مضموناً، ولا يتحقق بالشعارات.
ما جرى مع الانتقالي لم يكن انتقالاً نحو الأفضل، بل كان في كثير من محطاته إدارة للغضب لا مشروع دولة، وتشويهاً لفكرة التغيير ذاتها، حتى أوصل الناس إلى حالة الإحباط التي جعلت البعض يترحم على نظام “عفاش”، لا حباً فيه، بل كراهيةً للفوضى وسوء البديل. وهذه أخطر نتيجة لأي مسار سياسي: أن يقتل الأمل بالتغيير نفسه.
السؤال الحقيقي ليس: من الأفضل؟
بل: هل نملك وعي الدولة أم ما زلنا أسرى عقلية الغلبة؟
الانتقالي، ونظام عفاش قبله، يشتركان في نقطة خطيرة:
الحكم بالقوة لا بالمؤسسات.
توظيف المظلومية بدل بناء العدالة.
استدعاء الماضي لتبرير السيطرة في الحاضر.
والفرق فقط في الأدوات، لا في الجوهر.
هل نحن قادرون على تغيير يلبي تطلعات الناس؟
القدرة موجودة، لكن الإرادة الجماعية لم تنضج بعد.
التغيير الحقيقي يتطلب:
شجاعة الاعتراف بالأخطاء، لا تقديس الزعامات.
الانتقال من منطق “من انتصر؟” إلى “كيف نُحكم؟”.
تقديم العدالة الانتقالية بدل الثأر السياسي.
القطع مع الاستثمار في الذاكرة الدموية كوقود للحشد.
الخطر الأكبر:
أن نغرق في مخاض سياسي مشحون بالثأر والانتقام، نعيد فيه تدوير الماضي، ونستنزف الحاضر، ونضيّع المستقبل. فالدول لا تُبنى باللعنات، بل بالقوانين، ولا تُدار بالضغائن، بل بالمؤسسات. نحن أمام مفترق طرق: إما أن نرتقي فوق الجراح، ونحوّل الألم إلى وعي سياسي ناضج.
أو نكرر ذات الحلقة: نظام يسقط، فيأتي أسوأ منه، ثم نترحم على السابق.
الرقي ليس خطاباً أخلاقياً… الرقي قرار سياسي وثقافي شجاع: أن نختار الدولة، حتى لو خذلتنا الجماعات التي ادّعت تمثيلنا. والسؤال بحد ذاته دليل أن هذا الرقي ما زال ممكناً، لكنه يحتاج من يحميه من الضجيج