مآلات الزبيدي: بين حسابات الماضي وفخاخ الواقع الجديد
في خضم التحولات المتسارعة التي تعصف بالجنوب اليمني، يبرز السؤال المحوري حول الخطوة التالية لعيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي.
إن فهم مساره المحتمل لا يقتصر على التحليل السياسي فحسب، بل يتطلب الغوص في بنيته النفسية وتاريخه العسكري الذي صاغ رؤيته للبيئة و المنطقة والعالم.
تشير قراءة سلوكه إلى أن الزبيدي العسكري الستيني، الذي ينتمي لجيل ( إكس) تشكّل وعيه في خضم الصراعات المسلحة لما بعد عام 1994 وانخراطه في حركة (حتم المسلحة ، يميل إلى الحلول المباشرة المستندة إلى تجاربه السابقة. بناءً على ذلك، يُستبعد خيار الهروب خارج الحدود، كجيبوتي أو القرن الأفريقي، كونه لا ينسجم مع عقليته القتالية.
الخيار الأكثر ترجيحًا في حساباته هو العودة إلى معقله في الضالع. هذا الخيار تغذيه ثلاثة عوامل رئيسية: التاريخ (حيث انطلقت بداياته المسلحة)، و*الجغرافيا* (التضاريس الجبلية المنيعة)، و*الديموغرافيا* (الحاضنة الشعبية التي لا تزال ترى فيه رمزًا للمقاومة).
من منظوره، قد تبدو الضالع البيئة المثالية لإعادة إطلاق مشروع كفاح مسلح، مستلهمًا استراتيجيات "الكر والفر" التي أثبتت فعاليتها في الماضي.
لكن هذا التفكير يصطدم بثلاثة متغيرات جوهرية غيرت قواعد اللعبة بشكل جذري:
1. التفوق التكنولوجي استراتيجيات التسعينيات أصبحت بالية في عصر الطائرات المسيّرة وتقنيات الرصد المتقدمة، التي يمكنها كشف أكثر المخابئ تحصينًا في قمم الجبال.
2. طبيعة الخصم:
لم يعد الخصم هو نظام علي عبد الله صالح الذي كان يتعامل مع الضالع كقضية هامشية. الخصم اليوم هو قوة إقليمية (السعودية) ترى في الزبيدي ومشروعه تهديدًا استراتيجيًا يجب هندسته بدقة، وليس مجرد متمرد بسيط.
3.ديناميكية التحالفات:
الحديث عن مشاورات سعودية-تركية لإدخال أنقرة كلاعب عسكري ولوجستي جديد في اليمن، سيجلب معه قدرات الطيران المسيّر التركي المتفوق عالميًا، مما يجعل أي محاولة للمناورة المسلحة مغامرة محكومة بالفشل.
باختصار، يمكن تلخيص مسيرة الزبيدي في ثلاث محطات متناقضة: من متمرد محكوم بالإعدام، إلى نائب رئيس يتصرف بشكل أحادي، وصولًا إلى نقطة التمرد الاولى و ملاحقًا بتهمة الخيانة العظمى.
يبدو أن الزبيدي يواجه مفترق طرق حاسم، حيث قد تقوده حسابات الماضي إلى مصيدة الواقع الجديد.
الايام القادمة ستكشف لنا حقيقة وواقعية هذه القراءة أو مفاجئات لم تكن في الحسبان، وإنا لمنتظرون.