قراءة في الموقف الإماراتي المحتمل بعد قرارات مجلس القيادة الرئاسي
تبدو الخطوات الأخيرة التي أعلنها رئيس مجلس القيادة الرئاسي، والقاضية بإنهاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الإمارات ومنح قواتها مهلة 24 ساعة لمغادرة الأراضي اليمنية، نقطة تحوّل مفصلية في مسار العلاقة بين الطرفين، وتكشف في الوقت ذاته عن بداية مرحلة سياسية جديدة ستُدار فيها المواجهة بأدوات مختلفة، من الجانب الدبلوماسي والقانوني إلى العسكري وإن بشكل غير مباشر.
من المتوقع أن تتعامل أبوظبي مع هذه التطورات بوصفها رسالة سعودية قبل أن تكون قرارا يمنيا داخليا، وهو ما يفسّر – على الأرجح – اتجاهها نحو الطعن في شرعية مجلس القيادة الرئاسي أو التشكيك في صلاحيات رئيسه. غير أن هذا المسار يواجه إشكالية جوهرية تتمثل في أن المجلس ذاته تشكّل بتوافق إقليمي، كانت الإمارات شريكا مباشرا فيه، ولا يمكن القفز على هذه الحقيقة فقط لأن القرارات الأخيرة لم تأتِ منسجمة مع مصالحها.
السيناريو الأقرب يتمثل في محاولة أبوظبي فتح معركة سياسية وإعلامية عنوانها "الشرعية"، عبر الإيحاء بأن قرارات العليمي لا تحظى بإجماع داخلي، أو أنها تخرج عن صلاحياته، إلا أن هذا الطرح يصطدم باعتراف دولي واضح بمجلس القيادة الرئاسي، وبكونه الجهة الوحيدة المخولة قانونا تمثيل الدولة اليمنية واتخاذ القرارات السيادية باسمها.
وفي هذا السياق، قد تلجأ الإمارات إلى إعادة إنتاج خطابها الذي استخدمته في الحالة السودانية، حين شككت بشرعية قيادة الدولة هناك حيث تطلق على حكومة البرهان "سلطة بورتسودان"، في محاولة لإسقاط النموذج ذاته على اليمن. غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن الشرعية اليمنية تستند إلى مظلة دعم إقليمي ممثلة في السعودية، وهو ما يجعل أي محاولة لتقوّيضها محدودة الأثر سياسيا.
المعركة المقبلة، على الأرجح، ستكون معركة شرعية وتموضع سياسي، لا مواجهة عسكرية مباشرة، لأن الإمارات تدرك أن أي تصعيد ميداني سيضعها في مواجهة قانونية مع المجتمع الدولي، خاصة بعد انتهاء الغطاء القانوني لوجودها العسكري، وهو ما يجعل تحركاتها محكومة بسقف لا يمكن تجاوزه.
وفي هذا الإطار، قد تسعى أبوظبي إلى تحريك أدواتها المحلية، وعلى رأسها المجلس الانتقالي، باتجاه خطوات تصعيدية كالتلويح بالانفصال أو فرض وقائع سياسية جديدة على الأرض، غير أن هذا الخيار يظل ضعيف الجدوى، إذ إن أي كيان لا يحظى باعتراف دولي لن يتمكن من تثبيت شرعيته أو عقد اتفاقات أو توفير غطاء قانوني لأي وجود أجنبي.
الأهم من ذلك أن ميزان القوة الدبلوماسية يميل بوضوح لصالح السعودية، باعتبارها الدولة الأكثر تأثيرا في الملف اليمني، وصاحبة الثقل الإقليمي والاقتصادي الأكبر، فضلا عن كون اليمن يمثل عمقا استراتيجيا مباشرا لأمنها القومي، بخلاف الإمارات التي لا تربطها باليمن حدود جغرافية أو التزامات سيادية مباشرة.
وفي حال اتجهت أبوظبي إلى خيارات أكثر تعقيدا، كفتح قنوات غير مباشرة مع جماعة الحوثي أو تعطيل مسار التسوية السياسية، فإن ذلك سيضعها في مواجهة سياسية مكلفة، ويقوّض أي دور إقليمي تسعى لتكريسه كطرف داعم للاستقرار.
وخلاصة المشهد أن ما يجري أقرب إلى صراع كسر عظم بين الرياض وأبو ظبي، يمتلك فيه كل طرف أدوات ضغط متفاوتة، ما يرجّح أن تمتد المواجهة سياسيا ودبلوماسيا وربما عسكريا عبر الوكلاء وقد يطول أمد الصراع، ويُعيد تشكيل الاصطفافات المحلية والإقليمية وفق وزن كل لاعب وقدرته على التأثير.
غير أن المؤكد حتى الآن أن أبوظبي تلقت ضربة قاسية على مستوى الشرعية، أفقدتها الغطاء القانوني الذي كانت تتحرك تحته، وضيّقت خياراتها بشكل واضح وجعل زمام المبادرة كليا بيد الرياض التي تستشعر الخطر على أمنها القومي. ورغم ذلك، فإن أبو ظبي لن تتراجع بسهولة، وقد تلجأ إلى توظيف علاقاتها الإقليمية والدولية، بما فيها علاقتها بالكيان الإسرائيلي، لمحاولة تعويض خسارتها وإعادة التموضع في المشهد وإن كان ذلك ضمن هامش أضيق من السابق.