الحوثي في قفص قحطان
في كل مرة تقترب فيها جولات التفاوض الخاصة بالأسرى والمختطفين من ملامسة جوهر المأساة اليمنية، تعود مليشيا الحوثي إلى عادتها المفضلة في صناعة الأحزان، والتلاعب بمصائر البشر، واستخدام المعاناة الإنسانية كورقة ابتزاز سياسي رخيصة، وخلال الأيام الماضية، وبعد جولات طويلة تعثرت مراراً بسبب تعنت الجماعة وانقلابها على التفاهمات، سربت أنباء تتعلق بالسياسي اليمني المختطف محمد قحطان، المعتقل في سجون المليشيا منذ أحد عشر عاما في واحدة من أبشع قضايا الإخفاء القسري في تاريخ اليمن الحديث.
وأياً تكن حقيقة المعلومات المتداولة بشأن وضع قحطان، فإن هناك حقائق دامغة لا يمكن طمسها بالدعاية الحوثية أو الالتفاف عليها بالتسريبات الغامضة، أولى هذه الحقائق أن جماعة الحوثي ليست سلطة طبيعية ولا كياناً سياسياً مسؤولاً، وإنما عصابة مارقة قامت على العنف والكراهية والسلالة، اختطفت رجلاً من منزله وأخفته قسراً طوال هذه السنوات، ضاربة عرض الحائط بكل النداءات المحلية والدولية المطالبة بالكشف عن مصيره، وتعاملت معه باعتباره رهينة حرب، لا إنساناً له حقوق، أو شخصية سياسية يفترض احترام مكانتها وحريتها.
أما الحقيقة الثانية، فهي أن مليشيا الحوثي تتحمل كامل المسؤولية الأخلاقية والقانونية والإنسانية عن حياة محمد قحطان وسلامته، منذ لحظة اختطافه وحتى اليوم، فلا يمكن لجماعة أخفت رجلاً طوال أحد عشر عاماً أن تتنصل من المسؤولية أو تتخفى خلف أحاديث مبهمة وتسريبات مرتجفة، وإذا كانت الجماعة تمتلك ذرة من الجدية أو الحد الأدنى من الحس الإنساني، لكانت كشفت بوضوح عن وضعه الصحي والقانوني، وسمحت لعائلته أو للجهات الحقوقية بزيارته، بدل هذا السلوك المليشاوي الذي يحول المختطفين إلى أوراق مساومة ومادة للابتزاز السياسي.
لقد وضعت المليشيا نفسها، بفعل قبح مشروعها وخبث ممارساتها، في مأزق أخلاقي وسياسي لا مخرج منه، فهي اليوم تواجه واحدة من أكثر القضايا إحراجاً أمام اليمنيين والرأي العام، لأن قضية قحطان تحولت إلى شاهد دائم على طبيعة الجماعة الوحشية، وعلى العقلية التي تدير بها البلاد، والعباد، والمجتمع. فكل السنوات التي مضت لم تستطع أن تمحي تداعيات الجريمة، وإنما عمقت بشاعتها، ورسخت في الوعي اليمني صورة جماعة لا تؤمن بالإنسان، ولا حتى بالأعراف القبلية والاجتماعية التي تحترم الأسير والمختطف وتحفظ كرامته.
أما النقطة الأكثر وضوحاً فهي أن الحوثي خسر أخلاقياً في كل الاحتمالات، فإن كان محمد قحطان حيا، فهذا يعني أن الجماعة تلاعبت بمشاعر أسرته وكل محبيه عمداً طوال هذه السنوات، وحرمتهم من رؤيته، ومنعت اليمنيين من معرفة مصيره، وهي جريمة مكتملة الأركان تكشف حجم التوحش الذي تمارسه المليشيا خلف جدران سجونها، وإن كان قد تعرض لمكروه ـ لا قدر الله ـ فإن الكارثة تصبح أعظم، لأن الجماعة تكون قد ارتكبت الجريمة، وأخفتها، وتلاعبت بمشاعر الناس، وهي جريمة لا يغسلها الإفصاح اليوم.
وفي النهاية، ستظل مليشيا الحوثي قبيحة في نظر اليمنيين مهما حاولت تجميل صورتها بالشعارات والخطابات، قبيحة لأنها اختطفت إنساناً وأخفت مصيره، وقبيحة لأنها حولت حياة اليمنيين إلى سلسلة لا تنتهي من الألم والفقد، وقبيحة لأنها جعلت من الجريمة منهج حكم ومن الخوف وسيلة لإدارة المجتمع، ولهذا فإن اليمن، بكل تاريخه وكرامته ووجعه، لن يجد طريقه الحقيقي إلى السلام إلا بزوال هذه المليشيا وانتهاء مشروعها من على أرضه.