مذكرات الفسيل (2): الحورش.. صانع ثقافة الأحرار والثوار
يروي الأستاذ محمد عبدالله الفسيل في مذكراته قصة لقائه بأستاذه الشهيد أحمد حسن الحورش، الذي كان له الدور الأكبر في تشكيل وعيه، كما أثّر في حياة الكثير من الأحرار. بدأت القصة عندما أعطاه الحورش أول كتاب هزّ قناعاته، وأدى إلى انهيار كثير من الثوابت التي كان يؤمن بها، حتى أصبح ذلك اللقاء، وذلك الكتاب، نقطة التحول الأهم في مسار حياته.
يقول الفسيل: ذهبت إلى أستاذي أحمد حسن الحورش بعد أن قرأت كتاب "شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد"، واطلعت على ما جرى في "سقيفة بني ساعدة"، فشرحت له ما حدث، وقلت له: إنني خائف؛ لأن إيماني بالإسلام كان قائمًا على التشيع، وقد تزعزع مع انهيار أفكار التشيع في عقلي.
في البداية، قال لي الأستاذ بهدوئه المعهود: "اسمع يا محمد، الحمد لله أنك اكتشفت الحقيقة بنفسك، لأن اكتشاف الإنسان للحقيقة بنفسه هو أفضل طريق لاقتناعه بها. ولكن يجب أن تفرق بين الإسلام كعقيدة وشريعة، وبين المسلمين؛ فالمسلمون ليسوا الإسلام. المسلمون بشر يخطئون ويصيبون، وقد يستغل بعضهم الإسلام ليستر به انحرافه، تحقيقًا لمصالحه ومطامعه.
ومذاهب المسلمين وآراؤهم فيها الصواب والخطأ، وليست هي المصدر الذي نأخذ منه ديننا، بل علينا أن نجعل كتاب الله وأحاديث رسول الله الصحيحة المصدرين الأساسيين للفصل في أي خلاف، وأن نتجاوز المذاهب. فالإسلام يقوم على الحق والتسامح، لا على الخطأ والانحراف والتعصب."
يقول الفسيل: وبعد أن توطدت علاقتي به، أصبح أستاذي وشيخي أحمد حسن الحورش مثلي الأعلى في الزهد والطهر والمثالية والإيمان بالقيم العليا. وكنت أتساءل: كيف صار هكذا؟ لكنني كنت أتهيّب سؤاله، حتى سألته يومًا: كيف اهتديت إلى الحقيقة؟
فقال لي، بما معناه: "في لحظة كلمح البصر، تكشفت لي الحقيقة. كنت أحد أفراد بعثة طلابية إلى العراق، وفي الحديدة ركبنا باخرة تجارية. وعندما أقبل المساء، دخل أحد العاملين وضغط على زر في الجدار، فأضاء نور ملأ الغرفة. لم أره في حياتي، ولم يخطر على بالي، إذ لم يكن في صنعاء غاز ولا زيت ولا أي وسيلة مشابهة للإضاءة.
جريت وراءه وسألته: من أين جاء هذا النور؟ فقال: هذا نور الكهرباء. عندها شعرت أن الضوء لم ينر المكان فقط، بل أضاء عقلي وضميري، فاكتشفت الحقيقة.
عدت إلى مكاني في الباخرة، وكتبت أول رسالة في حياتي إلى الإمام، وصفت له فيها الباخرة وكهرباءها، وطلبت منه أن ينير بيوت اليمن بالكهرباء. كنت أظن أنه لا يعرف أن في العالم كهرباء، ولم أكن أعلم أنه ينير قصره بها. وربما كان من حسن الحظ أن الرسالة لم تصله، وإلا لأعادونا من الباخرة قبل أن تبحر.
كانت تلك اللحظة التي أيقنت فيها أن العلم بالدين والدنيا هو الذي يكشف الحقيقة للناس."
ويواصل الحورش حديثه: "في بغداد، ورغم أنها لم تعد كما كانت في عصورها الذهبية، فإنها كانت أكثر تقدمًا من صنعاء، وكان بين المدينتين فارق لا يقل عن أربعمائة عام، في نظر ذلك الطالب. لعب المصباح الدور الأول في خلق وعي جديد في ذهني، ثم لعبت بغداد ومظاهر التطور فيها الدور الثاني، وتولت القراءة — أو بالأصح الكتاب — الدور الثالث والأهم."
ولأنه أدرك أثر الكتاب في نفسه، أدرك كذلك أثره في الآخرين، وأنه سيكون طوق النجاة لبلاده من التخلف، والنافذة التي سيدخل منها النور إلى الناس. لذلك، كان يوفر كل قرش لشراء كتاب، فيكتفي بما يقدم له من طعام، ويمشي مسافات طويلة ليوفر أجرة المواصلات، ويشتري بها كتبًا.
وخلال سنوات دراسته في بغداد، استطاع أن يجمع ألف كتاب، إذ كان يتلقى مساعدة مالية، فقرر ألا ينفق منها إلا للضرورة القصوى، ويوجهها لشراء الكتب.
يقول الفسيل: كان أستاذي الحورش — "غاندي اليمن" كما أسميه — يحدّثني، فأتصوره في خيالي وهو يعاني ليجمع ثمن الكتب، ثم يحملها إلى اليمن لينير بها العقول. وقد طبّق تجربته في التثقيف الذاتي علينا نحن تلاميذه.
ويضرب الفسيل مثالًا بنفسه، إذ يقول: وجدني شيعيًا جاروديًا في بداية صلتي به، فأعطاني أربعة مجلدات من "شرح نهج البلاغة"، ثم كتب الإمام محمد عبده، ومجلة "العروة الوثقى" لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ومجلة "المنار" لمحمد رشيد رضا، ثم مجلدات من مجلة "الرسالة" لأحمد حسن الزيات، إضافة إلى كتب "فجر الإسلام" و"ضحى الإسلام" و"عصر الإسلام" لأحمد أمين.
وكان يتابع أثر قراءتي، حتى لاحظ التحول الكبير في وعيي، فقال لي: "ما رأيك أن تحمل بعض الكتب إلى أصدقائك في المدرسة العلمية، يقرؤونها ثم تعيدها وتأخذ غيرها؟" فوافقت، وبدأت أنقل الكتب بين الطلاب، فخلق ذلك نشاطًا ثقافيًا وعلميًا واسعًا، وأسهم في تنمية وعي وطني وسياسي لدى الكثير منهم.
وبدأت التوعية تؤتي ثمارها، وكانت الأرض تتشقق شيئًا فشيئًا تحت أقدام الحاكمين بأمرهم، وخطرٌ يتسلل من أحاديث الناس وتعليقاتهم اليومية.
وتطور الأمر أكثر مما كان متوقعًا، وبدأت المنشورات الخطية تجد طريقها إلى الإمام، مطالبةً إياه بالعدل بين الناس والقضاء على العصابات المحيطة به من المرتشين والمضللين.
حاول الإمام أن يتجاهل ما يحدث، وأن يتغافل عما يقرأ ويسمع، لكن الرياح لم تتوقف، والهمس استمر، وفضح الظلم وإثارة الناس على الطغيان.
فكّر الإمام في سجن الحورش وزملائه، لكن قبل ذلك كان لا بد من اختلاق التهمة المناسبة.
وقد اهتدى الإمام، أو أحد زبانيته، إلى تهمة مناسبة حقًا، تهمة يعجز الشيطان نفسه عن الاهتداء إلى مثلها، وهي: "أن هؤلاء حاولوا اختصار القرآن".
واستقبل سجن القلعة الحورش وزملاءه وعددًا آخر من المستنيرين.
وخرج الحورش من المعتقل، فوجد صعوبة في مواصلة نشاطه الثقافي والسياسي، سواء في المدرسة التي كان يدرّس فيها، أم في المنزل الذي كان يلتقي فيه صفوة تلاميذه.
في أوائل عام 1943، أخبرني أستاذي أحمد حسن الحورش أنه قرر بيع جميع كتبه، وطلب مني البحث عمن يشتريها. فذهبت إلى السيد الشاعر الأديب عبد الكريم الأمير، وأخبرته أن الأستاذ الحورش ينوي بيع مكتبته كاملة، وأنني أتمنى أن يشتريها، فأعطيته رقم هاتفه، وطلبت منه أن يتصل به.
واتفقا على أن يلتقيا في بيته ليريه الكتب ويختار منها ما يعجبه. وبعد أيام أخبرني أن القاضي عبد الله العمري مستعد لشراء كل الكتب التي أعجبته، كما أخبرني أنه سيعود معي إلى بيته في صباح اليوم التالي.
وذهبت مع أستاذي، وكنت مسرورًا وسعيدًا بأن بيت العمري سيشتري كامل مكتبته، فاعتذر الحورش عن ذلك، قائلًا: "لا أريد أن تُحبس الكتب في بيت واحد، أريد أن أبيعها إلى عدد كبير من البيوت والأشخاص حتى تعم الفائدة منها."
وبعد أيام أخبرني أنه باعها لباعة وبساطين وآخرين، وباع جزءًا منها في السوق لمكتبات صغيرة، وكانت موجودة في ثلاثة دكاكين صغيرة بجانب محال القماش.
وبعد ذلك أخبرني أستاذي أنه سيسافر سرًا إلى مصر، وطلب مني أن أسافر معه، لكنني اعتذرت حتى لا أكون عالة عليه. وفي شهر أغسطس أو سبتمبر 1943، ودّعني وسافر سرًا، ومعه صديقه وزميله الشهيد محيي الدين العنسي.
ويؤكد الفسيل: أستطيع أن أقول بثقة إن مكتبة الأستاذ أحمد حسن الحورش كانت المصدر الأساسي لثقافة الأحرار منذ عودته عام 1939م، لأنه كان يختار كتبه بعناية، كحامل رسالة وطنية هدفها نشر الوعي والتنوير في اليمن.
ويختم الفسيل بقوله: كم أتمنى أن يكون أساتذة الجامعات والمراحل الدراسية اليوم على نهج أولئك الرواد من المناضلين الأحرار، يعلّمون الشباب ويصنعون الأجيال، لبناء يمن التقدم والحضارة، وتغيير هذا الواقع المؤلم الذي يمزق اليمن أرضًا وإنسانًا.
للإطلاع على المقال السابق:
مذكرات الفُسيل (1): السقيفة.. أعظم حدث في التاريخ الإسلامي