خالد اليماني… من “فيفا كوبا” إلى ظلال التطبيع الصهيوني
يُقال إن السياسة هي فن الممكن، لكنها لدى البعض تتحول إلى "فن المنسلخين"، حيث يبرع البعض في القفز بين المتناقضات دون خجل. ولعل الحالة التي يقدمها الدبلوماسي اليمني السابق، خالد اليماني، تمثل النموذج الأوضح لهذا النوع من "الترنح الأيديولوجي" الذي يبدأ بالهتاف لليسار الراديكالي وينتهي بالتسكع على أعتاب اليمين الأمريكي المتطرف.
الرفيق "خالد" في هافانا
لمن لا يعرف التاريخ، أو يظن أن الذاكرة اليمنية أصيبت بالثقب، فإن اليماني هو "تلميذ كاسترو" النجيب. بدأ حياته السياسية في ثمانينيات القرن الماضي غالبًا ناشطًا مع منظمة أشيد الاشتراكية، ثم حصل على منحة دراسية جامعية إلى بلاد فيديل كاسترو، عدو أمريكا الأول، وقضى الرجل 8 سنوات من عمره في كوبا الاشتراكية تحت حكم الحزب الشيوعي الكوبي، ويتقن الإسبانية ليردد شعارات الثورة ضد "الإمبريالية العالمية" و"الغطرسة الأمريكية".
عاد اليماني من هافانا مشحونًا بنَفَس "الرفاق"، ليعمل في وزارة الخارجية صباحًا، والقسم الفني بصحيفة "الثوري" (لسان حال الحزب الاشتراكي) مساءً، وكان وجهًا بارزًا في جمعية الصداقة اليمنية الكوبية. وما زالت أرشيفات التلفزيون اليمني تحفظ له مشاهد وهو يدير احتفالات التضامن مع كوبا وفيدل كاسترو، مندّدًا بالحصار الأمريكي وتصنيف واشنطن لهافانا كدولة راعية للإرهاب، ويقود في نهاية الاحتفالية هتافات الحاضرين: فيفا كوبا، فيفا كوبا. حينها، كان اليماني يرى في "العم سام" رمزًا للاستعمار الجديد والشر المطلق وأكبر دولة تصنع الإرهاب العالمي.
القفز من السفينة الغارقة
لكن "الراديكالية" لدى اليماني كانت مرتبطة بمدى قرب الحزب من السلطة والمال. فبعد حرب 1994، وحين أدرك أن شمس الاشتراكي قد غابت، لم يتردد في خلع "البزة الثورية" ليرتدي عباءة "المؤتمر الشعبي العام". وهنا انفتحت له أبواب الترقي في سلم وزارة الخارجية اليمنية؛ من ماليزيا إلى لندن، وصولًا إلى أروقة الأمم المتحدة، ثم وزيرًا للخارجية في لحظة فارقة من تاريخ اليمن.
وارسو.. حين فُضح "الود" مع الصهيونية
ولأن من يبيع مبادئه مرة، يسهل عليه بيعها كل مرة، فقد صدم اليماني اليمنيين والعرب حين ظهر بجانب رئيس الوزراء الصهيوني "بنيامين نتنياهو" في مؤتمر وارسو أثناء توليه وزارة الخارجية. لم يكن مجرد جلوس بروتوكولي، بل كانت الابتسامات المتبادلة و"إعارة الميكروفون" لنتنياهو إشارة واضحة لمدى انخراطه في دوائر التطبيع "الصهيونية" في المنطقة.
لقد تبرأ اليماني في تلك اللحظة من كل تاريخه القومي ومن أدبيات "الثوري" التي كانت تعتبر مجرد الحديث مع الاحتلال خيانة، ليثبت أنه لم يعد تلميذًا لكاسترو، بل صار "تلميذًا طيعًا" في مدرسة التصهين الجديدة.
من الانفصال إلى "بوق" الممول
بعد خروجه من الوزارة، ظن البعض أن الرجل سيعتكف لمراجعة مسيرته، لكنه فاجأ الجميع بظهوره كمنظّر لمشروع "الانفصال" في ذروة انتفاشة المجلس الانتقالي.
وحين تعثر ذلك المشروع، انتقل اليماني إلى مربع جديد، ليمارس دورًا "وظيفيًا" كبوق إعلامي يخدم أجندات إقليمية، موجّهًا كل سهامه نحو حزب الإصلاح اليمني بحدة "بلشفية" قديمة، ولكن بتمويل "يميني" جديد. والمفارقة الكبرى في مسيرة اليماني "المتحول" هي ارتماؤه في أحضان المجلس الانتقالي والترويج لمشروعه، متغافلًا، بسبق إصرار وترصّد، عن السجل الأسود لهذا الكيان.
يتحدث اليماني عن "الإرهاب"، بينما يغضّ الطرف عن ميليشيا متهمة بارتكاب عشرات عمليات القتل والخطف، وإدارة سجون سرية خارج نطاق القانون، يُخفى فيها مئات المختطفين والمغيبين قسرًا منذ عشر سنوات.
التحريض كبضاعة كاسدة
في مقاله الأخير، يظهر اليماني كـ"رأس حربة" في التحريض ضد حزب الإصلاح، مستجديًا إدارة ترامب والبيت الأبيض لتصنيفه "حركة إرهابية".
والمفارقة هنا مضحكة بقدر ما هي مبكية؛ فالرجل الذي عاش 8 سنوات في كنف دولة (كوبا) يصنّفها ترامب نفسه كدولة إرهابية، يحاول اليوم أن يبيع دروسًا في مكافحة الإرهاب للأمريكيين! وتشير التقارير إلى أن هذا الاندفاع "اليماني" المجنون لم يأتِ من فراغ، بل هو رد فعل على الفضيحة التي طالت مموله في أبوظبي، بعد رفع القيادي الإصلاحي الجنوبي "أنصاف مايو" دعوى قضائية في أمريكا ضد الإمارات لتمويلها محاولات اغتياله. لقد جاء تحريض اليماني كمحاولة "تبييض" فاشلة لوجه الممول، وكرد انتقامي على فضح الممارسات الإرهابية الحقيقية في عدن.
شحاذ على أعتاب الرأسمالية
يبدو اليماني في مقاله الأخير أشبه بشحاذ يتوسل صدقة من رأسمالي متكبر يضع في فمه "سيجارًا كوبيًا" – من النوع الذي كان اليماني يقدّسه قديمًا – ولا يبالي بتوسلاته. لقد نسي اليماني نضاله ضد الحصار الأمريكي، ونسي تنديده بتصنيفات واشنطن "التعسفية"، وقرر أن يمارس نفس "العنف الثوري" والحقد الطبقي القديم، ولكن هذه المرة تحت مظلة "الرزق يحب الخفية".
الخلاصة:
يا رفيق يماني، الأرشيف لا ينسى، ورفاقك في هافانا وصحيفة "الثوري" ما زالوا أحياء. إن محاولتك غسل ماضيك الكاستروي عبر التحريض على أبناء وطنك لن تجعلك حليفًا موثوقًا في واشنطن، بل ستظل في نظر الجميع ذلك "المتحول" الذي يخسر وضوءه دائمًا قبل ثوانٍ من انتهاء الصلاة.
ترامب الذي تتوسله اليوم، هو نفسه الذي هدد بالأمس بأن دور "كوبا" قادم بعد إيران، فهل ستعود حينها لتلعن الإمبريالية وتدين تصنيف الدول والأحزاب بالإرهاب، أم ستؤيد حرب ترامب على كوبا الإرهابية التي احتضنتك في سنوات مراهقتك الثورية، وربما تعينه بخبرتك في كيف يقضي على الإرهاب الاشتراكي؟