إلى متى سنُلدغ من نفس الجحر؟

أحمد ناصر حميدان

تعبنا… وهذه ليست شكوى عابرة، بل حقيقة شعب أنهكته الصراعات، واستنزفته معارك لا تنتهي.

ومع ذلك، ما زال هناك من يدفعنا – بوعي أو بدونه – للعودة إلى نفس الأدوات التي لم تُنتج لنا سوى الخراب. جربنا كل شيء…

انفصلنا، فلم نبنِ دولة تحترم الإنسان. توحدنا، فلم نخرج من دائرة الهيمنة والاستبداد. فأين المشكلة؟

ليست في الوحدة ولا في الانفصال… المشكلة في من يديرهما. نفس الوجوه… نفس العقليات… نفس الشهية المفتوحة للسلطة والثروة.

وحين ثار الناس طلبًا للتغيير، فوجئوا بأن المنافسين على السلطة هم ذاتهم من كانوا سببًا في المأساة، لكن بأقنعة جديدة.

لم تتغير المنظومة… بل ازدادت شراسة. تحولت السياسة إلى ثأر، والدولة إلى غنيمة، والمجتمع إلى شظايا: قبيلة هنا، مذهب هناك، منطقة تقابلها منطقة، وكلٌ يصرخ بأنه الأحق! والنتيجة؟

وطن ينزف… وشعب يدفع الثمن. المشكلة أن البعض لا يريد دولة أصلًا، بل يريدها مقاسًا له: إن لم تكن له… فليحترق الجميع. لهذا، فإن إعادة إنتاج نفس الصراع لن تقود إلا لنفس النهاية.

وأي حديث عن حلول خارج هذا الإدراك هو تضليل جديد. الحل ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة وجود: الدولة الاتحادية الفدرالية. دولة لا تبتلع فيها منطقة أخرى، ولا تفرض قبيلة إرادتها، ولا يحتكر حزب القرار.

دولة تقوم على عقد واضح: المركز يحمي السيادة، ويؤمّن البلاد، ويدير علاقاتها، والأقاليم تدير شؤونها بنفسها، وفق قانون وعدالة، وبما يضمن كرامة الإنسان وتوزيعًا عادلًا للثروة.

هذه ليست قسمة ضعف… بل صيغة بقاء. أما الإصرار على المركزية المتوحشة، أو العودة لأدوات الماضي، فليس إلا وصفة مؤكدة لإعادة إنتاج الفشل، وربما بشكل أكثر دموية.

اللحظة اليوم ليست لحظة شعارات… بل لحظة وعي. إما أن نختار دولة يتساوى فيها الجميع، أو نستمر في الدوران داخل نفس الحلقة… حتى لا يبقى شيء ندور حوله. فإلى متى؟