حروب وأسفار

د. علي عبدالكريم

ترى... هل بات علينا كعرب أن نحمل أسفارًا على أكتافنا ونحن نسير مطأطئي الرؤوس، بعد ما دارت على رأس أم قشعم العربية الدوائر، وأصبحت بلاد العرب أوطاني تعاني من أسوأ حالات السداح مداح التي وُصفت بها سياسة التحول من اقتصاد التنمية المستقلة إلى اقتصاد السوق... الانفتاحي المفتوح؟

لنجد في نهاية مطاف رحلة التحول إلى السوق الحر المفتوح أن رحلتنا التنموية قد تاهت، لتختفي عبر تناقضاتها الأساسية والثانوية، التي قادت بالضرورة إلى إضعاف بل وفقدان مفاهيم الدولة... الكيان الوطني... والتنمية الاقتصادية القائمة على الاستغلال الكفوء والأمثل للموارد الطبيعية والبشرية، والاستفادة من كفاءة الموقع الاستراتيجي لكامل الأراضي العربية.

تلك كلها عناوين ضاعت، وانتهى بنا الحال إلى مجرد قوى هامشية تابعة، اعتلى قمتها المفهوم الريعي بمعناه الشامل، حيث شكّل النفط والغاز، المداران عبر ديالكتيك هيمنة رأسمالية تهيمن وتسيطر وتخلق على الأرض بيئات تتنافر بعضها مع بعض.

باتت التبعية شعارًا، وباتت الدولة الوطنية المستقلة المعتمدة على تنمية مواردها ضمن رؤية تكاملية مجرد شعار لا مكان له، بل يشكل عقبة أمام الارتباط مع قوى السوق الدولية الاحتكارية التي تدير وتسيطر على مفاتيح الاقتصاد العالمي وأسواقه ووسائط إدارته وتشغيله، تحت هيمنة رأسمالية لها معاييرها ومصالحها الخاصة.

وحاليًا نجد منطقتنا العربية بوضع لا تُحسد عليه، وهي تتخبط في أتون حرب ضروس يشنها الثنائي الصهيوني... ترامب ونتنياهو... وكلاهما يتسابق كي يضرم نيران حروب التوسع والسيطرة وفرض تعاليم أسفار يهوذا تحت غطاء ديني كودي مدمر، لكن الجوهر منصب نحو الانتصار النهائي لعودة دولة المسيح الدجال تحت قيادة البابا ترامب، ولو على جثة بابا الفاتيكان.

حيث بشّر البابا ترامب بفضائح الكنيسة، أي كنيسة روما، تمامًا كما يمتلك نتنياهو وزمرة إبستين الصهيونية معه ملفات العار التي يمكن حال نشرها تحويل ترامب إلى جثة هامدة، وهكذا بات مطيعًا ينفذ أسفار نتنياهو الجديدة المستمدة من أسفار اليمين الصهيوني الأكثر تطرفًا تحت قيادة بن سموتريتش وبن غفير.

فمن سيُعدمون سيُحقرون عشرة آلاف فلسطيني، وليس لديهم أي مانع من إحراق العالم عبر مضيق هرمز... هكذا يديرون أسفارهم التي تحرق العالم لينتصر يهوذا بن غفير، وعبر ما يثيرونه من غبار النووي الإيراني من أقاويل وترهات، ومخزوناتهم النووية في النقب يلفها الصمت، ولا ما لديهم من دمار لمن يقف معارضًا لهم، وفي المقدمة العرب.

لأن البابا المتجدد تحت قلنسوة داوود سيعيد بناء الهيكل تمهيدًا لعودة المسيح الدجال لإقامة العدل بعد إنهاء إيران والقضاء عليها، لأنها مصدر الخطر لامتلاكها عنصر المعرفة سبيلاً لسلاح نووي.

أما حال العرب جميعًا، فقد باتوا قاب قوسين أو أدنى للتبعثر كحبات مسبحة تتناثر لا رابط بينها، فغياب عقل جامع بينهم تتوافق عليه الإرادات المستقلة حقًا للبحث عن بديل التشتت والشرذمة التي نعيشها، كمحاولة جادة لمغادرة ساحة المهاترات والتباعد، وصولًا لرؤية يتم من خلالها مشروع توافق عربي يواجه مخاطر ما يُحاك ضد البلاد العربية جميعًا وفرادى، يتضمنها جوهر الحرب الدائرة على إيران التي تشنها أمريكا وإسرائيل تحقيقًا لخلق إسرائيل الكبرى...

روح الإبراهيمية التي يبشرون بها... وفي حال تسود علاقات عبثية بين الدول العربية خلال مرحلة تُعد من أسوأ الحالات، سينفذ المشروع الإبراهيمي بسهولة ويسر.

وحتى يتم كبح أمر كهذا، هل نأمل استيعاب العرب لحقيقة هذه الحرب وأهدافها الآنية والمستقبلية؟ علينا أن نسأل بوعي... هل ستكون نتيجة الحرب على إيران وبالًا على العرب لنصبح وفق مزامير داوود كمثل من يحمل أسفارًا؟

ونسأل أكثر مسؤولية: لماذا يجعل العرب من أنفسهم، من خلال مخرجات الحرب الصهيونية الكونية على إيران، معبرًا ووقودًا يدفعون ثمن صراعات وخلافات من خلال تسعير نيران الخلافات البينية تجاه هذه الحرب وأهدافها المعلنة وما بطن منها؟

وهي حرب في جوهرها صهيونية... الهدف والغاية منها أساسًا تدمير إيران، وإن حدث لا سمح الله، فأكبر الخاسرين العرب جميعًا، لأن للحرب هدفًا أساسيًا يتمثل بضرورة إلغاء أي وجود لأي قوة تمتلك قاعدة علمية معرفية راسخة، يمكنها أن تصبح ضمن قوى النادي النووي، وتشكل خطرًا حقيقيًا على من يمتلك عناصر القوة ويفرض شروطه.

وهنا مكمن الخطر الذي تخشاه الصهيونية الكونية عبر كيانها المقدس، دولة الكيان، التي تقدم نفسها باعتبارها حارسة الحضارة الغربية من تغول ما تسميه الهمجية الإيرانية، كما صرّح بذلك نتنياهو.

هكذا نرى هذه الحرب التي يشنها البابا الكاذب ترامب، وهو يخاطب مستهزئًا ببابا روما قائلاً: "كان اليسوع يرغب بالسلام كما أرغب أنا"... هكذا يتقمص ترامب مسوح المسيح، وهو يشن هذه الحرب المدمرة سعيًا وراء السيطرة على:

منافذ ومضايق التجارة الدولية، كي يربك ويخنق سلاسل الإمداد ومكونات الاقتصاد العالمي، بدءًا بالصين.

إحكام السيطرة على مصادر ومنابع الطاقة (نفط وغاز)، حيث كانت فنزويلا البداية، ضمن نهج توسعي يسعى لاستكمال هلال السيطرة على منابع النفط بإيران والخليج وما تيسر على الطريق.

استمرار الضرب على مفهوم ريادة رأسمالية السوق وجوهرها "عبقرية الصفقات"، بين المتواجهين ضمن مملكة يهوذا التوسعية التي بناها وشيدها ترامب وتابعه داوود المزيف وفق مزامير نتنياهو المتوج ملكًا على الشرق الأوسط الجديد.

وسؤالنا الأهم: هل يعي العرب جميعًا خطورة الحرب التي تُشن على إيران وزيف التأويلات المطروحة حولها؟

إن هزيمة إيران قد تكون أخطر بكثير مما حدث منذ مؤتمر بازل الصهيوني ومؤامرة سايكس-بيكو، وما زلنا ندفع ثمنها حتى اليوم، لكن ما هو آتٍ أخطر بكثير...

فالآتي سيعيد تفكيك سؤال العرب التاريخي: نكون أو لا نكون.

وحتى نظل... ينبغي أن نكون عنوانًا رئيسيًا في منطقتنا، وأن نتغلب على خلافاتنا، ونبني على قواعد قوتنا، ونغلب مصالح أجيالنا عبر فهم أين تكمن مصالحنا أولًا، وفهم أسباب خلافاتنا ثانيًا، والتوافق على حلول مشتركة دون تحيزات واصطفافات.

لقد أثبتت التجارب أن المستفيد الوحيد مما يعصف بالأمن القومي العربي هو الآخر... سواء كان إيران أو أمريكا أو إسرائيل.

واليوم، ومع مشاريع إعادة رسم الخرائط، ومحاولات تفكيك ما تبقى من سيادة عربية، فإن انعقاد مجلس جامعة الدول العربية في السعودية يمثل فرصة تاريخية أخيرة لتدارك ما يمكن تداركه.

فهل يفعلون؟ الأمر تحدٍ وجودي... والمستقبل لا ينتظر أحدًا... ولا عزاء لمن يقف بجانب الضريح ينتحب.