حين تغيب الدولة: تعدد الرؤوس وسقوط المعنى
ليست المعضلة في اليمن اليوم مجرد صراع سياسي عابر، ولا خلاف بين مكونات يمكن احتواؤه بتسوية مؤقتة، بل هي أزمة بنيوية تمس جوهر فكرة الدولة نفسها. فالدولة، في تعريفها البسيط والعميق، لا تقوم إلا على ركنين لا يقبلان القسمة: قرار واحد وسلاح واحد. وما عدا ذلك ليس سوى حالة انتقالية مضطربة، مهما طالت.
منذ ما بعد 2015، لم تتشكل الدولة بوصفها كيانًا موحدًا، بل أُعيد إنتاج واقع متعدد القوى، لكل منها مركز قرار، وأدوات نفوذ، وامتدادات ميدانية. تعددت التشكيلات العسكرية والأمنية، وتباينت مرجعياتها، واختلفت أولوياتها، حتى أصبح المشهد أقرب إلى خريطة نفوذ منه إلى دولة ذات سيادة. في مأرب جيش، وفي الساحل الغربي تشكيل، وفي الجنوب قوى متعددة بمسميات مختلفة، وفي مناطق أخرى واقع مغاير. وبين هذا وذاك، تضيع هيبة الدولة وتتآكل فكرة الانتماء إليها.
المشكلة هنا ليست في وجود هذه القوى بحد ذاته، بل في غياب الإطار الجامع الذي يحتويها ويعيد تشكيلها ضمن مؤسسة وطنية واحدة. فالتعدد خارج مظلة الدولة لا يعني تنوعًا، بل يعني تفككًا.
وكل قوة تحتفظ بسلاحها وقرارها خارج بنية وطنية موحدة، هي – شاءت أم أبت – تساهم في إضعاف الدولة، حتى وإن رفعت شعار الدفاع عنها.
لقد اعتقد كثيرون أن ما جرى كان صحوة لإعادة بناء الدولة، لكن الوقائع تشير إلى أنه كان في جانب كبير منه إدارة للصراع أكثر من كونه مشروعًا لبناء المؤسسات. تم احتواء أزمات، وإعادة توزيع أدوار، لكن لم تُستكمل الخطوة الأهم: توحيد القرار، وإعادة هيكلة الجيش، وبناء أجهزة أمنية مهنية تحت سلطة واحدة.
ولا يمكن تجاهل أن تعقيد المشهد لا يعود فقط إلى الداخل، بل أيضًا إلى تضارب الأولويات لدى الأطراف الداعمة، وإلى نشوء اقتصاد حرب خلق مصالح متشابكة يصعب تفكيكها.
أضف إلى ذلك غياب الثقة بين المكونات، حيث يخشى كل طرف أن يكون التوحيد بوابة لإقصائه، فيتمسك بسلاحه كضمانة للبقاء، لا كوسيلة لحماية الدولة.
لكن، رغم كل ذلك، تبقى الحقيقة واضحة: لا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح في ظل هذا التشظي. لا حوارات ستثمر، ولا تسويات ستصمد، ما لم تُبنَ على قاعدة صلبة عنوانها دولة واحدة بقرار واحد. إن الحديث عن شكل الدولة، أو تقاسم السلطة، أو مستقبل البلاد، يظل ترفًا سياسيًا ما لم يُحسم أولًا سؤال: من يملك القرار؟ ومن يحتكر السلاح؟
إن بناء الدولة ليس شعارًا، بل عملية شاقة تتطلب قرارًا سياسيًا شجاعًا، يعيد ترتيب المشهد من جذوره. يبدأ ذلك بدمج كل التشكيلات ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، وإلغاء المسميات المناطقية، وبناء عقيدة وطنية تجعل الولاء للدولة وحدها. ويتطلب أيضًا معالجة اقتصادية تضمن حقوق الأفراد وتفكك ارتباط السلاح بالمصالح.
الناس لا تطلب معجزات، بل تطلب وضوحًا: أن ترى دولة حقيقية، لا كيانات متجاورة. أن تسمع صوتًا واحدًا، لا أصواتًا متنازعة. أن تشعر بالأمن من مؤسسة، لا من قوة محلية.
فالدولة التي تُرفع فيها أعلام متعددة، وتُسمع فيها قرارات متضاربة، لا تكون في طور التشكل، بل في حالة تآكل بطيء. وإن لم يُدرك الجميع خطورة هذا المسار، فإن الخسارة لن تكون لطرف دون آخر، بل لفكرة الدولة نفسها. والبداية، كما هي دائمًا، من هنا: توحيد القرار… أو استمرار التيه.