الحرب عندما تدمر الإنسان!

أحمد ناصر حميدان

ليست مشكلتنا فقط في الحروب، بل في الإنسان الذي تتركه الحروب خلفها.

فكثير من الشعوب عاشت صراعات أكثر دموية ودمارا منا، لكنها حين توقفت الحروب بدأت تبني الإنسان قبل الحجر، والعقل قبل المؤسسات، والمستقبل قبل تصفية الحسابات. أما نحن، فكل حرب عندنا لا تنتهي فعلا، بل تنتقل من الجبهات إلى النفوس. تتوقف المعارك، لكن تبقى الكراهية. يصمت السلاح، لكن يستمر الثأر.

وتبقى العنصرية والمناطقية والتعصب مشتعلة في العقول، وكأن الحرب لم تغادر المجتمع بل غيرت شكلها فقط. وهنا تكمن المأساة.

فالمدن يمكن إعادة إعمارها، لكن الإنسان حين يتشوه وعيه ويصبح مشبعا بالانتقام والإقصاء، يتحول من ضحية حرب إلى أداة لإنتاج حرب جديدة. ولهذا نفشل بعد كل صراع.

ليس فقط لأننا لا نملك المال أو الدولة، بل لأننا لم نعد نملك الإنسان القادر على حمل مشروع سلام أو بناء أو تحول حقيقي.

أي مشروع سياسي لا يبدأ بإعادة بناء الإنسان، وتجفيف منابع الكراهية، ومحاصرة العنصرية والمناطقية، سيظل مجرد هدنة مؤقتة قبل انفجار جديد. فالأوطان لا تنهض بإعمار الشوارع وحدها، بل بإعمار العقول أيضا.

وما لم نفهم هذه الحقيقة، فسنظل نكرر المأساة نفسها: حرب تنتهي لتبدأ أخرى.