لماذا يقاتل الحوثيون.. ومن يدفع الفاتورة؟
مع دخول المواجهة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران مرحلة أكثر تعقيدًا، لم يعد الصراع محصورًا في إطار تقليدي، بل اتجه نحو تعدد الجبهات وتداخل الفاعلين من دون الدولة . وفي هذا السياق، أعلن الحوثيون عن ان انخراطهم في العمليات العسكرية حيث أعلنت الجماعة عن تنفيذ أول هجوم بصواريخ باليستية تستهدف مواقع عسكرية جنوبي إسرائيل،
ويثير هذا التدخل العسكري للحوثيين وتوقيته تساؤلات عن دوافع إيران وتداعيات ذلك على اليمن والمنطقة؟.
لا يمكن فهم انخراط الحوثيين في المواجهة الأخيرة بوصفه قراراً خاصاً وسيادياً، بل يأتي ضمن سياق أوسع تحكمه اعتبارات استراتيجية وجيوسياسية وعسكرية متداخلة، تتجاوز البعد المحلي للحوثي تماماً، ويمكن قراءة هذه الدوافع من خلال ثلاث زوايا:
أولًا: وحدة الساحات:
يعد تدخل الحوثيين في الحرب الاخيرة جزء من استراتيجية منسقة تم الإعداد لها منذ سنوات والمعروفه باسم وحدة الساحات وهو مصطلح يشير إلى الاستراتيجية الإقليمية التى تنتهجها طهران لتعزيز نفوذها العسكري والسياسي. الهدف هنا يجعل من التدخل الحوثي ورقة تصعيد يتم تفعيلها مع اقتراب العمليات البرية على ايران.
ثانيًا: باب المندب كورقة ضغط:
يمثل الموقع الجغرافي المهم لمضيق باب المندب الذي يُعد من أبرز الممرات الحيوية للتجارة العالمية. أحد أهم العناصر الحاسمة في معادلة الصراع و إدخال هذا الممر في دائرة التهديد لا يعكس فقط تصعيداً عسكرياً، بل يعكس محاولة لتحويل المضيق إلى أداة ضغط . فمن خلال التلويح بتهديد الملاحة الدولية، يتم خلق ورقة تفاوض ذات قيمة عالية يمكن توظيفها في أي مسار سياسي محتمل.
ثالثًا: استراتيجية الاستنزاف:
تعكس طبيعة العمليات التي تنفذها ايران ووكلاءها نمطاً واضحاً من الحروب غير المتكافئة، حيث يتم الاعتماد على الصواريخ والطائرات المسيّرة لإحداث تأثير تراكمي يتجاوز القدرة التدميرية المباشرة. ويهدف هذا النمط إلى استنزاف منظومات الدفاع الجوي المتقدمة من خلال إجبارها على التعامل المستمر مع تهديدات متعددة ومنخفضة الكلفة نسبياً، مقابل كلفة اعتراض مرتفعة جداً.
تداعيات ومآلات التدخل الحوثي المحتملة
بقدر ما تبدو الدوافع مرتبطة بحسابات إقليمية، فإن المآلات والتداعيات تضع الداخل اليمني وجغرافيا البلاد أمام سيناريوهات قاتمة، يمكن قراءتها من خلال المسارات التالية:
عسكرة البحر الأحمر و مواجهة الخليج :
يرى مراقبون أن دخول الحوثيين على خط المواجهة إلى جانب إيران قد يدفع الصراع نحو مرحلة أكثر اتساعاً، خاصة في ظل احتمالات انتقال التوتر إلى الممرات البحرية الحيوية. وفي هذا السياق، تُطرح توقعات بتوسّع نطاق العمليات ليشمل استهداف خطوط الملاحة الدولية، وعلى رأسها مضيق باب المندب، فضلاً عن احتمالية امتداد الضغط ليطال مصالح دول الخليج، ضمن تحركات تُفهم في إطار إدارة إيرانية أوسع للصراع.
استهداف للبنية التحتية:
يحذر خبراء من أن انخراط الحوثيين يجعل المنشآت الحيوية والمدنية في المناطق الخاضعة لهم قد تصبح أهدافاً للردود الإمريكية والإسرائيلية. فبينما تحاول البلاد ترميم ما دمرته سنوات الحرب من موانئ ومصادر طاقة، يأتي هذا التصعيد ليعرضها لموجات تدمير جديدة، مما يفاقم معاناة المواطن اليمني لصالح "أدوار وظيفية" تخدم طهران.
تداعيات اقتصادية:
وإذا ما دققنا في أبرز التداعيات الاقتصادية لهذا الانخراط، يتضح أن أولها يتمثل في تعثر عمليات الاستيراد، في ظل اعتماد اليمن شبه الكامل على الواردات، خصوصًا في الغذاء والوقود. كما أن اتساع نطاق التصعيد في البحر الأحمر ومضيق باب المندب من شأنه أن يرفع تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما سينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية، ويدفع بمعدلات التضخم إلى مستويات أعلى، مع تآكل مستمر في القدرة الشرائية للمواطنين ولا تقف هذه التداعيات عند حدود الأسعار، بل تمتد إلى تعطيل سلاسل الإمداد وإرباك تدفق السلع، بما يفاقم من هشاشة الوضع المعيشي في بلد يعاني أصلًا من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، فإن أي انخراط عسكري من هذا النوع لا يعني سوى تعميق الأزمة الاقتصادية، وتوسيع دائرة المعاناة، خصوصاً في ما يتعلق بتأمين الغذاء والطاقة.
ختاماً إنّ الربط بين دوافع هذا الانخراط وتداعياته يكشف عن معادلة قاسية؛ حيث تُستنزف فيها الجغرافيا اليمنية لتحسين شروط تفاوض ايران مع خصومها، بينما يرتد ثمن هذا التصعيد تدميراً للبنية التحتية. ويبقى التساؤل قائماً: مَن المستفيد من تحويل البلاد إلى مصدّ للصدمات في صراعٍ تُجنى ثماره في عواصم أخرى، ويُترك فيه اليمنيون وحدهم لمواجهة فاتورة الحرب؟.